الجمعة، 24 يوليو، 2015


الصبي يحمل مزهرية وردية بها ما تبقى من الورود الذابلة، يقف حائرا لا يعلم إن كان يجب عليه فعل ذلك، فالطالما رأى الفتاة الكبيرة تجد فيها الجمال، ربما فقط هو لا يستطيع رؤيته.
الضحكات التي تطير في الهواء دون أن يلتقطها قلبه مازالت تضيق عليه الخناق، المزهرية لم تعد وردية رغم أن الورود تغيرت، ومع ذلك هو لا يرى فيها الجديد. ذات الألوان والأحجام سواء كانت ذابلة أم لا.
الفتاة الكبيرة لم تعد موجوده، يرى الصبي أنها على إختفاءها المادي، فإن وجودها حوله باعث على القلق، والخوف، و الغضب.
هدوء الصبي غير محبب أو مقبول، سعيه وراء خطوات الفتاة الكبيرة و ضحكات الهواء يفقده الهوى و الهوية.
 خطوات لأصل إليها، خطوات لأرى النور، سألعب معها وأرى الجمال في عينيها، سأقص عليها الإنتظار، وتخبرني هي عن سببه، سنصعد سويا درجات العثور، فلا نسقط.
الفتاة الكبيرة تحمل مزهرية وردية بها ورود ذابلة، ما الفرق إن كانت كلها تنتمى إلى نفس النوع، ما الجدوى من إحضار غيرهم إن كان لهم ذات المصير، لماذا لا نرى الجمال في الإبقاء.
الضحكات التي تطير في الهواء غير حقيقية، الفتى لم يعد صبياً، بل أصبح أكثر حذرا من الورود.
انظر، إنها فتاة كبيرة أخرى، أم ترى أنهما متشبهتان. لا تترك الضحكات الزائفة تتغذى عليك، ولا تترك مزهريتك وورودها الذابلة.
يقف الفتى حائرا لا يعلم إن كان يجب عليه فعل ذلك، فالطالما رأى الفتاة الكبيرة تجد فيها الجمال، ربما فقط هو لا يستطيع رؤيته. ستصعد وحدك درجات العثور..فتسقط! 
يغمض عينية ويردد كترنيمة: هذا صنع عقلي، "هذا طينك يا الله*"!
 
*مظفر النواب: وتريات ليلية
   

الثلاثاء، 21 يوليو، 2015

الفضل دائمًا للقتلة


عزيز

سأبدأ حديثي معك بشكل مباشر، وربنا سيكون هذا الحديث الأكثر صراحة الذي قلتة لك منذ رأيتك
شعوري نحوك الآن يختلف تماما عمّا شعرته تجاهك منذ عدة سنوات، وأعتقد أن تأثيرك علىّ ذهب مع الوقت، وكنت أظنه دائم. عددت الأيام والساعات حتى  يأتي الوقت الذي سأفكر فيه  بشىء غيرك عندما أكون وحيدة، أو عندما يصيبني شيء من الضعف حتى وإن كان ذلك بسبب "دور برد"؛ أذكر كيف كنت أقوم فزعة في منتصف الليل بلا سبب، وكيف أمضيت ليالِ لا يسيطر علىّ شعور سوى أنني بحاجة للإختباء..طويلا، فلا أظهر مجددا، لا أرى من تراهم، ولا أتحدث مع من تتحدث معهم، لا أذهب إلى الأماكن التي جلست معك فيها، ولا اسمع الأغاني التي كنت تحبها. أخاف من كل من يحملون اسمك، ويعملون بمهنتك، ولديهم بعض الملامح التي تشبهك؛ كل كلمة كنت أظنها تقصدني، كل ضحكة كانت تأخذ من روحي جزءا و تهديه للفراغ.

أعدت كل حوار جرى بيننا في ذهني آلاف المرات فقط لكي امسك بتلك اللحظة التي تغير فيها مسار الأشياء لتصبح ضدي، بعد أن كانت معي، تلك اللحظة بالذات التي مرت من خلالي كالرصاصة في سرعتها وتأثيرها، إلا انني لم الاحظ سوى تأثيرها علىّ بمرور الوقت. لم اشاهدها تخرج، لم اراها تأتي، لم أشعر بها حتى وهي تصنع ذلك الثقب في صدري، فإما أنا لم أكن هناك، أو اني كنت بلهاء تماما. كلما تذكرت تلك الإبتسامة التي كانت تغلب ملامح وجهي عندما أراك أشعر بالغباء، ويعود إلى شعور الإختباء مرة أخرى

حبل طويل حاولت الإمساك به وسط تلك العتمة لأعبر إلى أي مكان.
لا أكتب لك لأحملك اللوم هذه المرة، ولكنى أكتب لأعترف  بما وصلت إلية بعد تفكير طويل؛ ليس فيك أنت فقط، فقد حدث الكثير من بعدك، ولكنك تحمل فضل البداية، ووشمك داخلي لا يزول.. 
الفضل للقتلة يا عزيز، لولا أنهم قتلونا لما اصبحنا اليوم ما نحن عليه، لما مررنا بما رأيناه وما قابلنا من قابلناهم وحتى وإن لم يختلفوا عن قاتلينا كثيرا، فهذه المرة، نحن أيضا قتله بشكلِ أو بآخر، وقد لا نكون آسفين. موت بعض الاشياء داخلنا كان لازما للحفاظ على أشياء أخرى، كان يجب أن نكبر ونعلم أننا وحدنا في هذا العالم، ذلك الفراغ المليء بالقبح والضوضاء و آكلي لحوم البشر المختبئين خلف الابتسامات، والأسامي البشرية، هؤلاء العنصريين والنازيين بشكل أو بآخر

أنت لا تستحق مني كل ما قلت مسبقا، أنت لم تفعل شيئا يضرني، انا ضررت نفسي بنفسي، أنا التي عقدت اتفاقا بيني وبين ذلك الفراغ داخلي اننا سنواصل المضي قدما على أن يبقيني دائما بعيدة عن تجارب مشابهه، أن يبقيني في أمان. ومع الوقت أصبحت لا اذكر تفاصيل وجهك، لا تهمني أخبارك ولم أعد أهتم سوى بالإتفاق الذي بذلت جهدا حتى أصل إليه
أنت لست وحيدا من نوعك لو تعلم، الحقيقة أنك وحدك لم تكن كافيا، وكان علىّ أن اتعايش مع ثقوب أخرى، وفراغات أخرى داخلي، ولم أكن يوما ممتنة لشىء، سوى لتلك المساحات الفارغة التي كنت ألجأ اليها كلما شعرت بأني على حافة الخطر، فذاكرتي تنسى، إلا أن الأثر لا يزول.

منذ عدة أيام فكرت أني بحاجة لأن أكتب إليك تلك الرسالة، وسأشرح لك لماذا،
الحقيقة أني شعرت بالخطر، وهربت إلى ذلك الفراغ داخلي فلم يخيفني كعادتة، ففزعت أكثر؛ وجدت العقد الذي عقدته يتفكك ولا أعلم ماذا يجب أن أفعل، عليه أن يظل معقودا، وعلينا أن نكمل اتفاقنا حتى النهاية، ليس الآن!   
أنا عندما عدت اليك بتلك الأفكار، كنت أستجدي الألم الذي صليت ليذهب، كي يعود، أن يذكرني بتأثيره، فأختبىء حلف حدود الأمان، ويختفي الفزع، أن تلتف حولي خيوط العنكبوت فتختفي كل علامة يمكن لأحد أن يميزني بها، لأظل بعيدة بما يكفي، وقريبة بما يكفي، لكنى لم أجدك.
مثلما مرت تلك الرصاصة داخلي دون أن أشعر، مر عني تأثيرك دون أن أشعر، والآن أنا غاضبة منك؛ فأنت لست أناني إلى هذا الحد، لا تكن أناني لذلك الحد. أنت يا عزيز لم تعد عزيزاً، وهو ما كان علي تقبله منذ البداية، إلا أن أبحث عنك الآن ولا أجد أثرك، فهو الشىء الذي لن يكون أبداً مقبولاً.

مُنحنا التجربة لحكمة، ومررنا بالألم، وأنا لن أقبل أن أعيد تكرار الأشياء كما لو كنت ولدت بالأمس، كما لو كانت تلك الندوب قد التأمت إلى الأبد، كما لو كان وشمك لم يتواجد قط، وكما لو كان ذلك الفزع لم يخيفني، ويؤلمني، ولم يترك داخلي مساحات معتمه. فإذا استدعيت اليوم ألم التجربة، ليأتِ، وهذا ليس بالكثير.

لا اذكر أني قلت لك من قبل، شكرا!   
شكرا لكل القتلة، الذين تركوا خلفهم وسط الضحايا، ناجين؛ عرفوا الحكمة بعد التجربة، وشعروا الألم فتجاوزوه، وتعايشوا مع  فراغات الواقع، وأحرقوا السذاجات، وحرفوا التفاصيل، و انتبهوا للبدايات، ورأوا الرصاصة منذ بدايتها فتجنبوها، أو حتى، أطلقوها.


أنا لن ألوم، ولن أُلام على شيء.